لسان الدين ابن الخطيب
مقدمة المحقق 12
الإحاطة في أخبار غرناطة
وكان ابن الخطيب معجبا بشعره ، معتدّا به ، اسمعه وهو يقول من قصيدة هنّأ بها الغني بالله يوم عقد بيعته سنة 755 ه « 1 » : [ الطويل ] ودونكها من بحر فكري جواهرا * تقلّد في نحر وتنظم في عقد ركضت لها خيل البديهة جاهدا * وأسمعت آذان المعاني على بعد تناول فيه موضوعات الشعر العربي وأغراضه المعروفة من مديح ورثاء وغزل . . . وقد استفرغ معظم مدائحه في سلاطين بني نصر ، وكان أبو الحجّاج يوسف أوفرهم نصيبا . كما مدح سلاطين بني مرين بالمغرب . وجرى في قصائد المديح ومقطوعاته على سنن قدماء المسارقة ، فبدأها بالغزل ووصف الخمر والطّلل ، وعدّد فيها صفات الممدوح المعروفة من شجاعة وكرم ومروءة وعدل . . . كذلك له مدائح نبوية قالها في مناسبة ذكرى مولد الرسول الكريم ، أشاد فيها بذكره ، وأشار إلى بعض معجزاته ، وهي تختلف عن قصائد المدح من حيث دفق العاطفة وحرارة الإيمان . وفي الرثاء بدت عاطفته صادقة ، عبّر فيه بوجدانية صادقة عن إحساسه العميق بحقيقة الموت ، ولا سيما في رثاء زوجته التي أخذت منه كل مأخذ ، فقد أظهر رثاؤه مدى لوعته وحرقته على فقدها ، حيث أحسّ بقرب الرحيل ، فطلب منها أن تمهّد لديها مضطجعا له « 2 » : [ المنسرح ] روّع بالي وهاج بلبالي * وسامني الثّكل بعد إقبال فانتظريني ، فالشّوق يقلقني * ويقتضي سرعتي وإعجالي ومهّدي لي لديك مضطجعا * فعن قريب يكون ترحالي ولمّا توقّع ، وهو في السجن ، مصيبة الموت ، نظم شعرا مؤثّرا ، بكى فيه نفسه « 3 » : [ المتقارب ] بعدنا وإن جاورتنا البيوت * وجئنا لوعد ونحن صموت وكنّا عظاما فصرنا عظاما « 4 » * وكنّا نقوت فها نحن قوت وكنّا شموس سماء العلا * غربن فناحت عليها السّموت
--> ( 1 ) الصيّب والجهام ( ص 429 ) . ( 2 ) نفاضة الجراب ( ص 205 ) . ( 3 ) كتاب العبر ( م 7 ص 709 - 710 ) ونفح الطيب ( ج 7 ص 107 ) وأزهار الرياض ( ج 1 ص 231 ) . ( 4 ) العظام الأولى : جمع عظيم . والعظام الثانية : جمع عظم .